ابن عجيبة

314

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

لقتال ؛ بإيثار بعض الرخص ، ليقوى على ما هو أشد منها مشقة عليها ، أو متحيزا إلى جماعة من أكابر العارفين ، فإنهم يغنونه بالمشاهدة عن المجاهدة ، إذا ملكهم زمام نفسه ، وفعل كل ما يشيرون به عليه ، فإن ذلك يفضى به إلى الراحة بعد التعب ، والمشاهدة بعد المجاهدة ، إذ لا تجتمع المجاهدة في الظاهر مع مشاهدة الباطن عند أهل الذوق . قال القشيري - بعد كلامه على الآية : فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خدمهم من نعمهم ، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هممهم ؛ يجبرون كسرهم وينوبون عنهم ، ويساعدونهم بحسن إرشادهم ، ومن أهمل مريدا وهو يعرف صدقه ، أو خالف شيخا وهو يعرف فضله وحقّه ، فقد باء من اللّه بسخط ، واللّه تعالى حسيبه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه . ه . ثم عزلهم عن الحول والقوة ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 17 إلى 18 ] فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 ) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ( 18 ) يقول الحق جل جلاله : فلم تقتلوا الكفار بحولكم وقوتكم وذلتكم ، وقلة عدتكم وعددكم ، وكثرة عدد عدوكم وعدتهم ، وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بواسطة مباشرتكم ، حيث أيدكم وسلطكم عليهم ، وإمداد الملائكة لكم ، وإلقاء الرعب في قلوب عدوكم . قال البيضاوي : روى أنه لما أطلّت قريش من العقنقل - اسم جبل - قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها ، يكذّبون رسولك ، اللّهمّ إنّى أسألك ما وعدتني » ، فأتاه جبريل ، وقال له : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلمّا التقى الجمعان تناول كفا من الحصباء فرمى بها في وجوههم ، وقال : « شاهت الوجوه » ، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه ، فانهزموا . وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر ، فيقول الرجل : قتلت وأسرت ، فنزلت الآية ، وإلغاء جواب شرط محذوف ، تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم ، ولكن اللّه قتلهم ، وَما رَمَيْتَ يا محمد رميا توصلها إلى أعينهم ، ولم تقدر عليه إِذْ رَمَيْتَ أي : حين ألقيت صورة الرمي ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ، أتى بما هو غاية الرمي ، فأوصلها إلى أعينهم جميعا ، حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم . ه . فالرمى ، حقيقة ، إنما وقع من اللّه تعالى ، وإن ظهر حسا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .